أبي هلال العسكري

158

الصناعتين ، الكتابة والشعر

ألّا يكثر من شكاية الحال ورقّتها ، واستيلاء الخصاصة « 1 » عليه فيها ؛ فإنّ ذلك يجمع إلى الإبرام والإضجار شكاية الرئيس لسوء حاله وقلّة ظهور نعمته عليه . وهذا عند الرؤساء مكروه جدّا ، بل يجب أن يجعل الشكاية ممزوجة بالشكر والاعتراف بشمول النعمة وتوفير العائدة « 2 » . وسبيل ما يكتب به في الاعتذار من شيء أن يتجنّب فيه الإطناب والإسهاب إلى إيراد النكت التي يتوهم أنها مقنعة في إزالة الموجدة ، ولا يمعن في تبرئة ساحته في الإساءة والتقصير ؛ فإن ذلك مما يكرهه الرؤساء ؛ والذي جرت به عادتهم الاعتراف من خدمهم وخولهم بالتقصير والتفريط في أداء حقوقهم وتأدية فروضهم ؛ ليكون لهم فيما يعقبون ذلك من العفر والتجاوز موضع منّة مستأنفة تستدعى شكرا ، وعارفة مستجدّة تقتضى نشرا ؛ فأما إذا بالغ المتنصّل في براءة ساحته من كلّ ما قذف به فلا موضع للإحسان إليه في إعفائه عن ترك السخط ، بل ذلك أمر واجب له ؛ وفي منع الرئيس حصّته منه ظلم وإساءة . وينبغي أن يكثر الألفاظ عنده ، فإن احتاج إلى إعادة المعاني أعاد ما يعيده منها بغير اللّفظ الذي ابتدأه به ؛ مثل ما قال معاوية رضى اللّه عنه : من لم يكن من بنى عبد المطلب جوادا فهو دخيل ؛ ومن لم يكن من بنى الزبير شجاعا فهو لزيق ؛ ومن لم يكن من ولد المغيرة تيّاها فهو سنيد « 3 » . فقال : « دخيل » ثم قال : « لزيق » ثم قال : « سنيد » . والمعنى واحد والكلام على ما تراه أحسن ، ولو قال لزيق ، ثم أعاده لسمج . هذا ، أدام اللّه عزك ، بعد أن تفرّق بين من تكتب إليه ؛ « فإن رأيت ، وبين من تكتب إليه » فرأيك « 4 » . وأن تعرف مقدار المكتوب إليه من الرؤساء

--> ( 1 ) الخصاصة : الفقر . ( 2 ) العائدة : المعروف والصلة والعطف والمنفعة . ( 3 ) اللزيق : اللصيق . والسنيد : الدعىّ . ( 4 ) عبارة أدب الكاتب صفحة 18 : « فليس يفرقون بين من يكتب إليه : « فرأيك في كذا » وبين من يكتب إليه : فإن رأيت كذا . و « رأيك » إنما يكتب بها إلى الأكفاء والمساوين ، ولا يجوز أن يكتب بها إلى الرؤساء لأن فيها معنى الأمر . ولذلك نصبت » .